رحيل الفنان التونسي الكبير الصادق ثريا صاحب عديد الروائع الغنائية مثل«البارح نحلم ب
رحيل الفنان التونسي الكبير الصادق ثريا صاحب عديد الروائع الغنائية مثل«البارح نحلم بالغنجة» و«زوز حمامات» و«من توه خير يا حواء» وغيرها من الاغاني التي شكلت رصيدا ثريا كان نتاج شخصيته الموسيقية الاصيلة التي تميزت بالمزج بين المقامات الشرقية والطبوع التونسية مع المحافظة على اللهجة التونسية للاشعار التي ينتقيها لالحانه في عصر عرفت فيه اغنيتنا اوج ازدهارها وبهجتها في مثل هذا اليوم (12 ديسمبر) من سنة 2003 رحل الصادق ثريا عن سن تناهز الثالثة والثمانين بعد رحلة طويلة قضاها في البحث عن بصمة فنية تميز مسيرته وكان رصيده فيها صوت شجي -ببحة خفيفة- وعلاقات كونها بذكاء مع مبدعين من الساحة الثقافية في مجالات الادب والفن والغناء.
ولد الصادق ثريا بمدينة الاغالبة القيروان في الرابع من شهر مارس سنة 1920.شهدت مسيرته الفنية بداية مبكرة.حيث اكتشف وهو في الثانية عشر من عمره حبه للفن وكان يستهويه الاستماع الى غناء عمه الذي كان فنانا وعازفا ممتازا..وبعد دراسة سنوات في الجامع الكبير بالقيروان رحل الى تونس العاصمة ومنها انطلقت رحلته العملية في عالم الفن..
وفي تونس تعرف على مجموعة من شعراء جماعة تحت السور..وبدأ يغني-اغنياته الخاصة-وكان علي الدوعاجي وعبد الرزاق كرباكة ومحمود بورقيبة والهادي العبيدي من الاوائل الذين تغنى بأشعارهم…وانطلاقا من سنة 1938 انتج الصادق ثريا الكثير من الاغاني لعديد المؤلفين المعروفين في تلك الفترة الذهبية،حيث كان الجو الفني والساحة الثقافية تلهم الفنان بأحلى الالحان واجمل الافكار،فكان احيانا يوحي للمؤلف بشكل الاغنية وموضوعها،لان صياغة الاغنية كان عملا متكاملا ومشتركا فالتأليف يتم بحضور الملحن-واللحن بدوره يصاغ بحضور المؤلف والمغني،في تلك السنوات-نهاية الثلاثينات- اشتغل الصادق ثريا مع مجموعة كبيرة من نجوم الاغنية امثال محمد التريكي وحسيبة رشدي وشافية رشدي وفتحية خيري.
وعند تأسيس الاذاعة التونسية انتدبه الاستاذ عثمان الكعاك للعمل بها،وقضى فيها سنوات ساهمت في اثراء رصيده وصقل موهبته.
حكايته مع وردة الجزائرية
مع بداية الخمسينات - 1952 - عرفت حياة الصادق ثريا نقلة اخرى،حيث رغب في تجربة فنية مختلفة على ارضية مغايرة،فسافر الى فرنسا حيث بدأ العمل في احدى ملاهيها،وهناك تعرف على مجموعة كبيرة من الفنانين الجزائريين والمغاربة كانوا يعملون بالملهى كان من بينهم احمد وهبي واسماعيل احمد الذي كان يعزف على الكمنجة.
في تلك الفترة كان لصاحب الملهى ابنة صغيرة مولعة بالغناء وكان صوتها جميل يوحي بوجود بذور غير مصقولة لفنانة قد يكون لها شأن في المستقبل،فكلف والدها الفنان الصادق ثريا ليعلمها كيفية اداء اغاني السيدة ام كلثوم وانطلق فناننا الراحل في تعليم الطفلة اغنية «سلوا قلبي» وبالتدريج بدأ صوت الطفلة ينمو وينضح،حتى اصبح معلمها - الصادق ثريا - يلحن لها اغنيات خاصة واصبحت بدورها تشارك في فقرات ملهى والدها،واستمر معلمها يساعدها حتى رسخت قدميها في دنيا الغناء وعالم الفن ثم انطلقت تحلق بجناحيها في الساحة الفنية المصرية لتصبح الفنانة المشهورة وردة الجزائرية.
محطات عربية
في سنة 1958 سافر الصادق ثريا الى المغرب بمقتضى عقد مدته ستة اشهر،وهناك قام بتدريب الفرقة المغربية على اداء الموشحات ومن بين افراد الفرقة كان الفنان عبد الهادي بالخياط والمطرب عبد الوهاب الدوكالي.
وفي سنة 1962 حمل رحاله مجددا ليحط على ارض الجزائر حيث كلف بتعليم مادة الموسيقى لاطفال الشهداء،واشتغل في مدينتي عنابة وسيدي بلعباس،وكان يشارك ايضا في الاذاعة الجزائرية بتقديم انتاجه الموسيقي والغنائي.
شهدت مسيرة الصادق ثريا الفنية عديد المحطات الهامة،كان ابرزها مقهى تحت السور بباب سويقة التي كان من روادها، وهي ملتقى الفنانين والمبدعين في فترة ما بين الحربين العالميتين والى ما بعد الاستقلال،فكان هؤلاء المبدعين يشكلون خليطا ثقافيا مميزا يجمع بين مختلف المجالات،فكان كل واحد منهم يكمل الاخر لانتاج ادب ومسرح وغناء تونسي يجسد خصوصيتنا ويترجم ما كانت تتميز بها بلادنا من ثراء ثقافي في تلك الفترة.
توفي الصادق ثريا يوم 12 ديسمبر 2003 بعد مسيرة زاخرة بالعطاء والابداع الفني خدمة لاشعاع الاغنية التونسية. وتحتفظ خزينة الاذاعة الوطنية بعدد كبير من ابداعاته الغنائية اداء ولحنا ،من بين ما خلفه نذكر «انا من قلبي حبيتك» و«زوز حمامات»و«كي يضيق بيك الدهر»و«يا نجوم الليل» و«تعديت على جنينة دارك» و«البارح نحلم بالغنجة»و«من توة خير يا حواء»و«بعثتلي ريشات الطير» و«يا للي ماشي لتونس»وغيرها من الاغاني التي لا يتسع المجال لذكرها لكثرتها،فالراحل الصادق ثريا سخر حياته لفنه وكرسها لنحت مسيرة خالدة لا يمكن للذاكرة ان تتناساها..